يحيى العامري الحرضي اليماني
361
غربال الزمان في وفيات الأعيان
وكان المعري متزهدا ، قيل : إنه مكث نيفا وأربعين سنة لا يأكل اللحم ، قيل : إنه أراد أنه لا يتوصل إليه إلا بإيلام الحيوان بالذبح ، وهذا يخالف الشرع ، وهو رأي الحكماء المتقدمين . ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ، وكان العلماء والوزراء يأتونه . ولما مات رثاه بعض تلامذته فقال : إن كنت لم ترق الدماء زهادة * فلقد أرقت اليوم من جفني دما وأشار بذلك إلى تنزيهه عن ذبح الحيوان . وفيها توفي أبو عثمان الصابوني ، شيخ الإسلام ، الواعظ ، المفسر ، شيخ حران . سنة خمسين وأربعمائة توفي القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي طاهر بن عبد اللّه بن طاهر ، بلغ مبلغا في العلم والديانة وسلامة الصدر وحسن السمت والخلق ، وعليه تفقه الشيخ أبو إسحاق « 1 » الشيرازي ، وقال : لم أر أكمل اجتهادا وأشد تحقيقا وأجود نظرا منه . وكان الشيخ أبو إسحاق يدرس في حلقته ويخلفه بإذنه ، وولي القضاء بربع الكرخ ببغداد دهرا طويلا . وعاش مائة وستين سنة ، ويقال : وعشرين ، ولم يضعف جسده ولا عقله حتى حكي أنه اجتاز بنهر يحتاج إلى وثبة عظيمة ، فوثب وقال : أعضاء حفظها اللّه في صغرها فقواها في كبرها . تفقه على ابن كج والإسماعيلي والأسفرائيني وغيرهم ، ورحل إلى الآفاق ، وكان يحضر المواكب في دار الخلافة ويقول الشعر ، ومن شعره ما الغز به على أبي العلاء المعري : وما ذات درّ لا يحل لحالب * تناولها واللحم منها محلّل
--> ( 1 ) كذا في ب ومرآة الجنان 3 / 72 ، وفي الأصل : وتفقه بالشيخ أبي إسحاق .